غضب في شرق الأردن: لماذا حاول الملك حسين اغتيال بورقيبة؟
غضب في شرق الأردن: لماذا حاول الملك حسين اغتيال بورقيبة؟
18/12/2017 | 09:36

الحياة التونسية _ AlhayetAtounissia _ كان السفير الأمريكي، تالكوت ويليامز سيلي، يلح في السؤال حول أحوال حُكام ليبيا الجُدد. يحاول جاهداً استقصاء أخبار رحلة الرئيس الحبيب بورقيبة من نجله الحبيب، بمناسبة الذكرى الرابعة لثورة الفاتح الليبية في الأول من سبتمبر. لكن الحبيب الابن كان متبرماً خلال الجلسة ولم يخف خوفه على حياة والده.

يقف الرجلان على شرفة صغيرة في مطعم فاخر قبالة شاطئ سيدي بوسعيد. ترك الحبيب الصغير صحنه ممتلئاً، حمل معه كأساً وتوجه إلى حافة الشرفة شاخصاً. رياح فيها بعض بأس، تحرك مياه البحر، كانت بدايات الخريف عاصفةً بعض الشيء في العام 1973.

سرعان ما تحول قلق الحبيب الابن إلى غضب، وقال للسفير أن والده يمكن أن يقتل على يد الملك حسين بن طلال، ملك الأردن.

 يكتب السفير تالكوت سيلي في برقية سرية أرسلها إلى واشنطن في 20 سبتمبر 1973: «خلال محادثة مع الحبيب بورقيبة الابن في 19 سبتمبر، أبلغني الأخير على أساس سري أن التونسيين حصلوا على تقرير بأن الملك حسين قد أصدر تعليمات إلى تابعيه لترتيب اغتيال الرئيس بورقيبة. التقرير التونسي يأتي من لندن، أين يفترض أن يكون الملك حسين قد اجتمع مع مجموعة من الأردنيين، من المؤيدين بقوة للهاشميين. ووفقاً لبورقيبة الصغير فإن هذا التقرير كان سبباً في أن الرئيس بورقيبة قد تحدث عن موته المحتمل في تصريح للصحافة قبل أسبوعيين من مغادرته للجزائر».

ويضيف السفير الأمريكي في الوثيقة التي سربها موقع ويكيليكس في العام 2013: «بورقيبة الصغير قال إن ياسر عرفات، الذي قابله الرئيس بورقيبة عندما كان يزور القذافي في طرابلس، أكد صحة تقرير الاستخبارات التونسية. وقد ذكر عرفات أنه قد أوصل رسالة إلى الأردنيين أنه إذ قتل بورقيبة فإن الفدائيين سيردون بقتل الملك حسين. وقال بورقيبة الصغير إن التونسيين كانوا يعرفون أن الملك حسين كان غاضباً جداً من تصريحات بورقيبة في ما يتعلق بتسليم الأردن للفلسطينيين. ولهذا السبب فإنهم يميلون إلى اعتماد تقرير مؤامرة الاغتيال، ومع ذلك فقد صرح بورقيبة الابن بأن التقرير قد يكون استند على ملاحظة عابرة أدلى بها الملك حسين في لحظة غضب  دون أن يكون هناك أي نية جدية في تدبير عملية اغتيال».

وينقل السفير رأيه الخاص حول المعلومات التي نقلها بورقيبة الابن بقوله: «لقد قلت أنني لم أكن على علم بأي مؤامرة وأنني أشك في صحتها وأنا قلت بالتأكيد أنني لن ائتمن لأي شيء يقوله عرفات وأن اعتقاد عرفات بوجود مثل هذا المخطط هو بشكل واضح خدمةً لأغراض ذاتية». فقد كانت الإدارة الأمريكية تعتبر عرفات أحد أكبر قادة الإرهاب في ذلك الوقت، وتضع منظمة التحرير وكل الفصائل الفلسطينية ضمن قائمة الإرهاب الدولي. ويرفق في اخر الوثيقة السرية ملاحظة يقول فيها: «تقرير مؤامرة الاغتيال من طرف الملك حسين يبدو بعيد الاحتمال، ولكن بورقيبة الصغير يعكس بوضوح قلق التونسيين ولهذا السبب أنا أنقله».

دوافع الغضبة الهاشمية

غضب الملك حسين، الذي تحول إلى تفكير وتخطيط لاغتيال بورقيبة كان مرده تصريحات الرئيس التونسي حول ما سماه بــ «الكيان الأردني المصنع استعمارياً».

 بدأت القصة في 2 جويلية/ يوليو 1973 عندما طرح بورقيبة مبادرة جديدة حول الصراع مع إسرائيل تقوم على ثلاثة بنود: «قبول إسرائيل بمبدأ تقسيم فلسطين، وفقاً لقرار التقسيم، الصادر عن الأمم المتحدة، عام 1947.  وتعيين الحدود بين العرب وإسرائيل، عن طريق المفاوضات.  والبند الثالث إقامة دولة فلسطينية».

وقال بورقيبة في خطاب حول المبادرة: «ثمة شعبان، يتنازعان أرضاً واحدة. وأنا أقول، لماذا لا نتصور إمكان تقسيم فلسطين بين الفلسطينيين والإسرائيليين؟ بالطبع، سيضحي كل شعب بشيء ما. الإسرائيليون، من جهتهم، يتخلون عن الأراضي، التي احتلوها بقوة السلاح، ويحتفظون بما منحتهم إياه الأمم المتحدة، عام 1947، بموجب قرار التقسيم الرقم 181. لم يكن ما اقترحته لقاءَ الإسرائيليين فقط، بقدر ما هو حل للنزاع، القائم بينهم وبين العرب. إذ إنني أتبين أن الوضع، يسير من سيئ إلى أسوأ».

بعد ثلاثة أيام من إطلاق المبادرة نشرت جريدة «النهار» البيروتية حواراً مع بورقيبة يشرح فيه مبادرته الجديدة وأفكاره حول حل الصراع مع إسرائيل، وفي معرض حديثه عن جذور الصراع وكيفية معالجة قضاياها، وخاصة قضية الدولة الفلسطينية المستقلة وقضية عودة اللاجئين اقترح بورقيبة أن تكون هذه الدولة على الأراضي التي منحها قرار التقسيم للعرب إضافة إلى الضفة الشرقية لنهر الأردن، أي منطقة حكم العرش الهاشمي مشيراً بالقول: «لا شيء في التاريخ، اسمه شرق الأردن، فقد اجتزأت بريطانيا الجزء الصحراوي من فلسطين، مع من عليه من قبائل، وسمته شرق الأردن».

مع وصول أصداء تصريحات بورقيبة إلى عمان ثارت ثائرة النظام الأردني.

الاتحاد الوطني الأردني، التنظيم السياسي الموالي للملك والذي تأسس في العام 1971 في أعقاب أحداث أيلول الأسود والصراع مع منظمة التحرير الفلسطينية، وصف في بيان رسمي أصدره يوم 7 جويلية/ يوليو 1973 تصريحات بورقيبة ومبادرته بـــ «تمييع وإضاعة الحق الفلسطيني في الأرض والوطن، ومن المشاركة وتوحيد الجهد لتحرير الوطن المغتصب، إلى التفتيش عن رقعة بديلة، يستقر فيها ضحايا هذا العدوان».

كما قرر مجلس الوزراء الأردني في 17 جويلية/ يوليو قطع العلاقات الديبلوماسية مع تونس واصفاً الموقف التونسي بــــ «الانسجام مع موقف إسرائيل. ويهدف إلى تكريس الاحتلال للأراضي العربية، ويدعو إلى إقامة دولة فلسطينية خارج فلسطين، كبديل لانسحاب إسرائيل من الأراضي العربية.»

وكانت أولى انتقادات الملك حسين تجاه الحبيب بورقيبة قد ظهرت في العام 1965 عندما انتقد دعوته بقبول قرار التقسيم والاعتراف بالكيان الإسرائيلي، فقد قال الملك واصفاً الدعوة تلميحاً في خطاب في عيد الاستقلال في 25 مايو 1965: «بعض الدول الشقيقة التي تداعت إلى الصلح أو المفاوضة أو المساومة إلى آخر تلك الانحرافات الرامية إلى قبول الواقع البغيض».

 والغريب أن الملك كان قد استقبل بورقيبة قبل ذلك بشهر واحد في عمان وألبسه كوفية أردنية حمراء وعقالا، وقام بتأمين رحلته التاريخية إلى داخل فلسطين، حيث ألقى خطابه الشهير في مدينة أريحا. لكن الأغرب من كل ذلك أن الملك نفسه الذي وصف دعوة بورقيبة بالمنحرفة كان قد بدأ اتصالات مع إسرائيل منذ العام 1963 عندما التقى يعقوب هرتسوغ الذي كان آنذاك نائب مدير مكتب رئيس الحكومة في منزل طبيب بلندن، وفق ما نشره الكاتب يوسي ميلمان بصحيفة معاريف في العام 2014. وهذه الاتصالات السرية لم تنقطع إلى حدود 26 أكتوبر 1994 تاريخ توقيع معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية بوادي عربة.


***

الغضبة الهاشمية للملك حسين لم يكن مردها تصريحات بورقيبة حول الكيانية الأردنية وظروف نشأتها والأطراف التي دفعت إلى ذلك. فالعهد ليس ببعيد، فبورقيبة عندما قال إن الأردن لم يكن موجوداً قبل 1921 تاريخ نشأته على يد الأمير عبد الله الأول بن الشريف حسين وأن بريطانيا ساعدت الشريف أولاً في الثورة ضد الدولة العثمانية ولاحقاً في تأسيس إمارة شرق نهر الأردن وضمت إليها أراضي من الجزيرة العربية ثم ما لبثت أن تحولت الإمارة الهاشمية إلى مملكة سنة 1946 تاريخ استقلالها عن التاج البريطاني، لكن عبد الله الجد حافظ على روابط قوية مع الإنقليز حتى أن قائد الجيش العربي الأردني إلى حدود العام 1956 كان الضابط البريطاني السير جون باغوت غلوب، المعروف باسم غلوب باشا، والمكني  بــ «أبو حنيك».

الواضح أن الغضب الأردني كانت أسبابه تتعلق بالحاضر وليس بالماضي. بالسياسة والسلطة وليس بالتاريخ. فالملك حسين شديد الحساسية لكل ما يتعلق بالشأن الفلسطيني ويعتبره شأناً أردنياً داخلياً. فالضفة الغربية ومنذ حرب 1948 أصبحت تحت الإدارة الأردنية، بما فيها القدس الشرقية بكل ما تحمل من رمزية دينية. فالملك عبد الله الجد أصدر في افريل / أبريل 1950 قراراً يقضي بضم الضفة الغربية بصفة رسمية.

وحتى بعد سقوط المنطقة في يد الاحتلال الإسرائيلي بعد حرب جوان / يونيو 1967 بقي الملك حسين يعتبر نفسه مسؤولا عن الضفة الغربية ويطالب بها كأرض أردنية محتلة، حتى أنه لم يتحمس كثيراً لقرار إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية في العام 1964، وكان دائماً يخشى أن تكون المنظمة منافساً له في تمثيل الفلسطينيين في الأردن ومعارضاً لسردية وحدة الضفتين، التي كان يريد إقرارها. بل إن السفير الأمريكي في تونس، كان واضحاً عندما قال في نص الوثيقة بأن «الملك حسين كان غاضباً جداً من تصريحات بورقيبة في ما يتعلق بتسليم الأردن للفلسطينيين»، فالغضب لم يكن بسبب تعليقات بورقيبة عن تاريخ نشأة الأردن وكيانته الجدلية، بل متعلقا بقضية الأردن وطن بديل، والتي تعني ضمنياً للملك حسين فقدان «المُلك».

ولم تكن أحداث أيلول الأسود (1971) إلا ترجمةً لهذه الخشية الهاشمية من استقلال القرار الفلسطيني. فعندما أصبحت المنظمة وفصائلها تحاول أن تظهر كممثل مستقل للشعب الفلسطيني بعيداً عن سلطة الملك حسين، بل وتتجاوزه ككيان مواز على جغرافيا واحدة، خاصة بعد معركة الكرامة (مارس 1968) وما عرف بمرحلة النهوض الثوري وتمدد المنظمات الفدائية خارج المخيمات، تحرك الملك سريعاً للقضاء عليها حمايةً لملكه أولاً وإضعافاً لدورها، فكانت وفاة الرئيس المصري جمال عبد الناصر هدية له من السماء، لتنتهي المعركة بخروج قوات المقاومة الفلسطينية نهائياً من الأردن إلى لبنان.  ثم أعلن الملك في عام 1972 مشروعاً جديداً يضع به يده على فلسطين سماه «المملكة العربية المتحدة» يقوم على تحول المملكة الأردنية الهاشمية إلى مملكة عربية متحدة، وتسمى بهذا الاسم. وتتكون المملكة الجديدة من قطرين. قطر فلسطين: ويتكون من الضفة الغربية وأية أراض فلسطينية أخرى يتم تحريرها ويرغب أهلها في الانضمام إليها وقطر الأردن: ويتكون من الضفة الشرقية. تكون عمان العاصمة المركزية للمملكة. لكن القوى الفلسطينية رفضت بشدة المشروع واعتبرته محاولة لـــ «تصفية القضية» ودعمتها ما كانت تسمى بــ «الأنظمة الثورية» في مصر وليبيا واليمن والعراق إضافة إلى الكويت.

وتواصل نزاع تمثيل الشعب الفلسطيني بين الملك حسين ومنظمة التحرير إلى حدود العام 1988، عندما أعلن الملك قرار اً بإنهاء ارتباط الضفة الغربية إدارياً وقانونياً مع المملكة الأردنية في ما عُرف وقتها بـــ «قرار فك الارتباط». فحتى عندما قررت الدول العربية في العام 1974 الاعتراف بمنظمة التحرير «كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني» تمسك الملك بوحدة الضفتين تحت تاجه الهاشمي.

 
فلسفة بورقيبة

في الوثيقة الامريكية يظهر جلياً اندفاع عرفات للدفاع عن بورقيبة، حتى أنه هدد بإرسال الفدائيين لقتل الملك إن هو حاول اغتيال الرئيس التونسي. التفاعل العرفاتي كان طبيعياً، خاصة بعد وقوع مخطط منظمة أيلول الأسود التابعة لحركة الفتح.

إسقاط النظام الأردني في مارس 1973 في الماء، والذي كان يهدف إلى السيطرة على مجلس الوزراء الأردني والسفارة الأميركية في عمان بهدف الإفراج عن المعتقلين الفلسطينيين في سجون وإعلان سلطة جديدة في البلاد وقاده محمد داوود عودة المعروف بأبو داوود، والذي أفرج عنه أياما قبل حرب أكتوبر 1973، التي خلطت أوراقاً كثيرة في المنطقة ويبدو أنها أطفات غضب الملك حسين من بورقيبة وأدرجت مخطط الاغتيال – إن كان جاداً – في أدراج أرشيف المخابرات الأردنية. يقول أبو داوود: «زارني الملك حسين في سجني ودار بيننا حوار. قال لي إن الرئيسين الاسد والسادات سيدخلان حرباً ضد اسرائيل، أما أنا فلن أتمكن من المشاركة. وشرح موقفه على الشكل الآتي: إذا خسر الرئيس الأسد دمشق سيكون قادراً على الذهاب الى حلب. وإذا خسر الرئيس السادات القاهرة سيذهب الى اسوان. أما انا فإذا خسرت عمان لن يبقى أمامي غير الصحراء. لذلك لن أدخل هذه الحرب».

الاندفاع العرفاتي في الدفاع عن بورقيبة يفسر أيضاً من جهة رضاء عرفات والقيادة الفلسطينية عن مبادرة بورقيبة بفكرة حلً الدولتين، بالرغم من أن برنامج منظمة التحرير حتى ذلك العام كان قائماً على فكرة الكفاح المسلح حتى تحرير فلسطين، من رأس الناقورة شمالاً إلى أم الرشراش جنوباً ورفض تام وجذري لكل حديث عن سلام أو مفاوضات أو اعتراف، ويبدو ذلك لافتاً جداً، فبعد أقل من سنة أصدر المجلس الوطني في دورة انعقاده الثانية عشرة في 8 جوان 1974 ما عرف بـــ «البرنامج السياسي المرحلي لمنظمة التحرير الفلسطينية» يستلهم الكثير من مبادرة بورقيبة وخاصة فكرة «المرحلية» الأثيرة عنده.

لكن مواقف بورقيبة من الصراع العربي الإسرائيلي كانت دائماً تتسم بالجدلية والخروج عن السائد العربي.  يفضل الرجل تسمية القضية بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي ويعارض أي تدخل عربي مهما كان في القرار الفلسطيني، ويبدو أن ذلك من بين الأسباب التي دفعت ياسر عرفات في أن يوجه مركبه نحو السواحل التونسية قادماً من حصار بيروت القاسي، ومن تجارب ثورية دامية لعبت في كواليسها عشرات الأنظمة والمخابرات العربية.

***

 هذه النزعة البورقيبية نابعت من مشروع الرجل «الانعزالي» القائم على فكرة الأمة التونسية المستقلة بذاتها ذات الجذور القديمة وما العروبة والإسلام إلا جزء من أجزاء كثيرة لها. ولذلك كان معارضاً بشدة لأي تدخل أو وصاية عربية على قضية فلسطين وشجع القيادة الفلسطينية على رفض ذلك بشدة، ودخل من أجل ذلك في مناكفات وصراعات مع أكثر من زعيم عربي حاول وضع يده على الملف الفلسطيني من عبد الناصر إلى معمر القذافي مروراً بالملك حسين باستثناء حافظ الأسد!

كانت دوافع بورقيبة منطلقة من رفضه المبدئي لأي تدخل عربي في القرار الفلسطيني، على الرغم من أنه كان يطلق بشكل دوري المبادرات ويضع أفكاراً لحل القضية. كان يعتبر قضية فلسطين «قضية استعمارية يجب أن تعالج على نمط تصفية الاستعمار في المغرب العربي: حركة وطنية فلسطينية، نضال سلمي، كفاح مسلح، مفاوضات فاستقلال». في نطاق حل الدولتين في مرحلة أولى وفقاً لسياسة المرحلية التي طالما فاخر بها. لكنه عندما وصله نبأ اتفاق أوسلو بعد خروجه من الحكم، علق قائلاً: «قليل جداً ومتأخر جداً».

وثانياً كان الرجل يبطن شيئاً من العداء للأنظمة الملكية، يحاول إخفاءه لمصالح بلاده، فإعجابه بالولايات المتحدة ونفوره من بريطانيا الملكية كان ضمن هذا السياق. وفي نفس التوجه دافع بشدة على استقلال موريتانيا في العام 1960 وكان أول المعترفين بها عربياً ودولياً، ودخل في أزمة ديبلوماسية مع ملك المغرب محمد الخامس الذي كان يطالب ببلاد شنقيط ضمن عرشه العلوي، ولم يكتف بذلك بل قادت تونس حملة بوصفها عضواً في مجلس الأمن لحشد الاعــتراف الدولي بموريتانيا وانضمامها الى الأمم المتحدة. بورقيبة الذي أنهى وجود التاج الحسيني في تونس، كان مهوساً بالتاريخ الجمهوري الفرنسي الذي شيدته 1789، والتي ارتفع على ركامها مجد فرنسي توسع حتى بلغت سفائنه الاستعمارية أرض تونس صيف العام 1881. فبالقدر الذي كان فيه بورقيبة محارباً لفرنسا، كان مفتوناً بها.

قصارى القول، تكشف الوثيقة أولاً عن وجود محاولة أو تفكير أردني لاغتيال بورقيبة، ولو لم يتجاوز مرحلة النوايا. فورود المعلومات من مصدرين مختلفين يؤكدها. لكن لا ندري هل كانت المسألة غضبة هاشمية عابرة أم محاولة جدية قتلتها الأحداث التي جاءت في أعقابها وأهمها حرب أكتوبر، ونهاية مبادرة بورقيبة في المهد. هل كان الملك حسين جاداً في غضبه؟ هل كان بورقيبة خائفاً من الطرف الأردني؟ هل لعب أبو عمار دور مؤجج الخلاف ضد الملك حسين ثأراً لأيلول وما تبعها؟ الإجابات تنام في أرشيف المخابرات الأردنية والمخابرات الفلسطينية وفي صدور بقايا قادة هذه الأجهزة وفي ثنايا أوراق ياسر عرفات المحفوظة في مكتبه في العاصمة تونس. وما ما كشفته الجهات الأمريكية إلا جزء من الصورة الغائمة.

كتبه أحمد نظيف